فخر الدين الرازي
371
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ، إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ، وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ . اعلم أنه تعالى لما ذكر في الجواب عن شبهة القوم أنهم إنما توانوا وتكاسلوا في النظر والاستدلال ، لأجل أنهم لم ينزل بهم العذاب ، بين تعالى في هذه الآية أن أقوام سائر الأنبياء هكذا كانوا ثم بالآخرة نزل ذلك العقاب ، والمقصود منه تخويف أولئك الكفار الذين كانوا يكذبون الرسول في إخباره عن نزول العقاب عليهم ، فذكر اللّه ستة أصناف منهم أولهم قوم نوح عليه السلام ولما كذبوا نوحا أهلكهم اللّه بالغرق والطوفان والثاني : عاد قوم هود لما كذبوه أهلكهم اللّه بالريح والثالث : فرعون لما كذب موسى أهلكه اللّه مع قومه بالغرق والرابع : ثمود قوم صالح لما كذبوه فأهلكوا بالصيحة والخامس : قوم لوط كذبوه فأهلكوا بالخسف والسادس : أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب كذبوه فأهلكوا بعذاب يوم الظلة ، قالوا وإنما وصف اللّه فرعون بكونه ذا الأوتاد لوجوه الأول : أن أصل هذه الكلمة من ثبات البيت المطنب بأوتاده ، ثم استعير لإثبات العز والملك قال الشاعر : ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد قال القاضي حمل الكلام على هذا الوجه أولى لأنه لما وصف بتكذيب الرسل ، فيجب فيما وصف به أن يكون تفخيما لأمر ملكه ليكون الزجر بما ورد من قبل اللّه تعالى عليه من الهلاك / مع قوة أمره أبلغ والثاني : أنه كان ينصب الخشب في الهواء وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع ، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتدا ، ويتركه معلقا في الهواء إلى أن يموت والثالث : أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات والرابع : قال قتادة كانت أوتادا وأرسانا وملاعب يلعب بها عنده والخامس : أن عساكره كانوا كثيرين ، وكانوا كثيري الأهبة عظيمي النعم ، وكانوا يكثرون من الأوتاد لأجل الخيام فعرف بها والسادس : ذو الأوتاد والجموع الكثيرة ، وسميت الجموع أوتادا لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوي الوتد البناء « 1 » . وأما الأيكة فهي الغيضة الملتفة .
--> ( 1 ) الأولى أن تفسر الأوتاد هنا بالأهرام ، فإنها خاصة بالفراعين في مصر ، وإنما جاز أن نسميها أوتادا تشبيها لها بالجبال في الرسوخ في الأرض والعظم والسموق والعلو والارتفاع ، واللّه تعالى سمى الجبال أوتادا في القرآن بقوله وَالْجِبالَ أَوْتاداً . [ النبأ : 7 ] .